|
شخصية سماحة الشيخ محمد كاظم الجشي في سطور |
|
|
|
الجمعة 15 آب 2008 16:33 |
|
يقول أحد أكبر العرفاء في هذا العصر والذي أنزل المضامين واللطائف المستعصية على الكثير من أهل سنخه الى الواقع العملي فاصبح العرفان بعمق مصطلحه شيئا يتعاطاه رجل العامة بفضل هذا النور المعظم يقول رضوان الله عليه : ( كان أستاذنا رحمه الله يقول : … من السهل أن تصبح عالما ، ولكن من الصعب أن تصبح انسانا ، ولكن هذا خطأ وينبغى أن يقال : من الصعب أن تصبح عالما ، ومن المستحيل أن تصبح انسانا …)
وكان يرى هذا المعلم والمهذب بسيرته أن (الاجتهاد ) ماهو إلا مقدمة للحصول على مستوى خلقي رفيع …فيقول ( فحاذروا أن تظلوا الى آخر عمركم منشغلين بالمقدمة دون أن تحصلوا على النتيجة )
ويرى أيضا .. كيف نؤمن بأن علم الفقه والأصول بحاجة الى درس ، وعلم الأخلاق الذي هو هدف إرسال الأنبياء و من أدق العلوم ليس بحاجة الى التعلم والتعليم …
ويقول أعلى الله مقامه الشريف :( إياكم وأن يكون هدف أحدكم من الدراسة هو الحصول على الجاه الفلاني والمركز الفلاني ، وأن يصبح رئيس المدينة الفلانية وسيد القرية الفلانية بلا منازع ، إذا كان هذا هدف أحدكم فيمكن أن يصل اليه ولكن لن يكسب لنفسه ولأمته إلا التعاسة الشقاء …)
وأخيرا يقول : وقد لاحظت في بعض المدن التي كنت أذهب اليها أن الناس مؤدبون مهذبون ، والسبب في ذلك كما تبين لي هو أن عالم تلك المنطقة إنسان متق وصالح …
( إن مجرد وجود العالم المتقي في منطقة ما هو كاف في إرشاد الناس والتأثير عليهم حتى إذا لم يقم بالوعظ والارشاد … )
وهذا ما أشار اليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إذ يقول: ( من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم )
ونستنتج من كل هذه التوطأة أن طالب العلم على خطر كبير خصوصا ونحن في هذا العصر الذي يعج بهذه الوسائل والنعم وقد فقد المجتمع جميع تحصيناته التقليدية بسبب وسائل الاتصال ، فلم يعد هناك حاجز إلا و اخترق فاصبح التفاعل على المستوى الشخصي والمعرفي والحضاري سهلا يسيرا يمهد الى تفاعل أكبر وتعاطي مع ما هو مادي بحت في قبال ما هو روحاني …
فطالب العلم أصبح في موقع التفاعل الاجتماعي أشبه بالهرم المقلوب فكلما ازداد المجتمع انحرافا وميلا الى المادة والركون الى الدنيا و بهارجها كان الواجب على كاهله اثقل وحضوره الروحي أنصع مشرقا متجليا لا لبس فيه ، ليعيد المجتمع الى توازنه وهداه ورشده ، …
وقد تعاظم دور طالب العلم في العقدين الأخيرين خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار تغير مفهوم طالب العلم في العقلية الاجتماعية من مقدس محض يقوم بالدور الفقهي والإرشادي البسيط الى الدور القيادي والاجتماعي والروحي فهو الذي يرجع اليه في كل شاردة وواردة ويعهد اليه تولي الكثير من مواقع المجتمع على المستوى الفردي والأسري والاجتماعي ، كل ذلك لثقة الناس التي لا حدَّ لها بطالب العلم وأنه هو حامل اللواء الحقيقي للإرث المقدس لحضرة الرسول صلى الله على وآله وسلم على كل المستويات …
ومن جهة أخرى فنحن نرى كيف أن الرسول وهو خير أسوة قبل أن يصدع بالدعوة والارشاد وطد النفوس ومهد الأرضية حتى أصبح عَلَما في مكة لايشق له غبار وقبل كل شي هو هو في نفسه فقط ( الصادق الأمين ) ويكفى أن يحمل هاتين الفضيلتين اللتين تعدان أم الفضائل .
ولذلك نقول إن الأرضية الأولى أو القاعدة التحتية وقبل التعلم والتعليم والعمل هي الصبغة الأخلاقية التى يجب أن يتحلى بها وتتجلى كالشمس في رابعة النهار في كل طالب علم ليقوم فيما بعد بمهامه المقدسة والحساسة… مراقبا في ذلك أنه على خطر كبير كبير الإخلاص و الخوف من المزالق النفسانية … في علمه وعمله …
ولقد وفق سماحة الشيخ محمد كاظم الجشي الى الكثير من هدي الرسول ص والأئمة ع والسير على خطاهم …
واضعا نصب عينيه تهذيب نفسه أولا وليشع فيما بعد على مريديه وعامة الناس ينهلون من فيض عطاءاته ونمير فضائله العذب …
مكملا أدواته الروحانية مجدا في سيره الى رضوان ربه بالعمل على مساعدة و إرشاد الناس ومعلما بسيرته قبل لسانه وقلمه …
ولَأن أنتج العلماء الكثير من المؤلفات والمحاضرات ،فما أصعب أن تُنتج نفوس طاهرة تكون مصدر حب ومنابع خير ، ولعل الكتاب (مثلا ) ينتج إرثا محدودا ولكن يظل الإنسان المنتج الحقيقي للكتاب ولكل خير إذا هو أصلح نفسه والآخرين وهنا مكمن السر في إنتاج النفوس وإعادة صياغتها لتنشر عبيرها على كل صقع وأنى وجدت .
وهذا ما أراده سماحة الشيخ من مشروعه الروحاني والأخلاقي في نشر الفضائل و إنتاج وتربية جيل صالح يرى القدوة تتجسد أمامه في خشوعها وبكاءها من خشية الله عز وجل في حديثها وعلمها والأهم في سلوكها التقوائي … فهاهو مع الأباء يحثهم على نشر الفضيلة في الأسرة والابناء يرشدهم الى طريق النور وعين الحياة ويدلهم الى ما يحتمل صلاحهم به كالزواج وتشجيعه على العلم والعمل الصالح و إرشاد المؤمن الى الأسر الخيرة والمؤمنة من أطهر البطون ، وليلتقي الخير بالخير لانتاج جيل صالح وقد تربى في الأصلاب وتهيأت له البيئة الفطرية الصالحة أولا قبل التربية الظاهرية المكتسبة …
هذا وقد عني بمسألة الأيام الفلكية والتي وردت في حديث الرسول (ص) والأئمة (ع) ففي حديث متواتر عنه (ص): ( تباركوا باليال والأيام والنواصي والأقدام ) فالنواصي هي الزوجة والأقدام البيت وكما الأثر أن رجلا جاء الى الإمام الصادق (ع) وقال إنه يريد السفر في يوم الأثنين فإنه مبارك فقال له (ع) ما مؤداه من قال ذلك إنه يوم نحس مستمر ففيه انتقل رسول الله الى جوار ربه وفيه قتل الامام الحسين (ع) …
وغيرها من الروايات التي يعج بها إرثنا الروحاني وقد رجحت في نقولات و عمل السلف الصالح رضوان الله عليهم وهكذا ساروا بها وسيتمها أبناءهم البررة المخلصون انشاء الله .
وكما هو واضح في رسائلهم العملية كما هو في العروة الوثقى ووسيلة النجاة ومنهاج الصالحين وغيره مما جاء في باب النكاح :
ككراهة العقد في العقرب بالنسبة للأبراج ، والأربعاء في الأيام (باسم اليوم مثلا) ، والثالث والخامس والثالث عشر …والمحاق …( بالعدد ).. الخ في الشهر.
وكما هو في أيام الحجامه والمزارعة والسفر والكتابة … وغيرها والمدوَّن في كتب الأخلاق والمأثورات .
وكل هذا لصيانة الفرد المؤمن والحفاظ عليه من الشرور واحتمال الضرر والتوعية على مستوى الصحة العامة الجسدية أو الروحية والنفسية لينال بذلك تمام الموفقية إنشاء الله .
والمتتبع الى شخصية سماحة الشيخ محمد كاظم الجشي يرى ذلك النفس النوراني يشع بين جوانحه ، حتى لقد أصبح القاصي قبل الداني يعرف هذه الشخصية بهذه المزية النبوية في صدقها وأمانتها وروحانيتها وعطائها وطهارتها …
وإن تنكرت له الدنيا وجعلته وراء ظهرانيها كافرة بأنعم الله عز وجل الذي جعل الدعاة الى أمره في السنام الأعظم والمنار لأهل الدنيا …فكما أن العالم لا يعرفه إلا العالم فإن العارف لا يعرفه إلا العارف ويشق عليه أحيانا لدرجات المعنى المتعالية … ولقد كان بعض الفقهاء ومن أهل المعنى في النجف الأشرف على ساكنها الآف التحية والصلاة والسلام … كانوا يوعزون الى سماحته بتدريس أبناءهم وقد أمَّنوهُ أعز ما يملكون كل ذلك لسيرته وطهارته التي عهدوها ردحا من الزمن لم يروا منه إلا كل جميل … ختم الله له بكل الفوز والدرجة الرفيعة دنيا وأخرة .
ومن ناحية أخرى نرى كيف أن المراجع العظام أولوه ثقتهم بتتويجه عدة وكالات كأية الله العظمى الكلبيكاني (رض) وأية الله العظمى الشيخ الميرزا الغروي (رض) وآية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله الشريف …
ولا يفوتني وأنا القاصر فيما أدون عن هذه الشخصية الأمينة أن أشير الى بعض كلام النور والقلائد الفرائد الحقيقية وهي منبعثة من قلوب الطهر والطهارة فهذا أية الله العظمى السيد السيستاني دام عزه وهو يقلده بقلادة عز وفخر قائلا: ( أنت ثقتي تصرف كما تشاء …) وقائلا أخرى عندما عزم سماحة الشيخ المكوث في النجف الأشرف والاستقرار لإكمال دراسة البحث الخارج ( لا تبق … هناك المؤمنون بحاجة اليك ) .
وعندما قال أحد الزوار للمرجع الزاهد آية الله العظمى الميرزا الغروي (رض) : إنني جار الشيخ محمد كاظم قال وشاحه النوراني مقلدا به هذا العبد المهذب لنفسه قال : ( لقد جاورت الجنة ) … و أعظِم به من وسام شرف للمؤمنين وهنيئا لمريديه ومحبيه على هذا ( المراد ) النوراني .
ولقد كان سماحته المثال مع أساتيذه الكبار حتى أنه لايرفع نظره في وجوههم المباركة ولا حتى يضحك في وجوههم ويستغرب ذلك من بعض الطلبة ، فالأستاذ هو الأب الروحي وما أعظم حقه كما جاء في رسالة الحقوق ومن هنا كان اختياره للأستاذ في غاية التشدد والدقة فلا يكفي العلم وإنما ذلك النفس المتعلق بالملأ الأعلى وذلك النفس المستمد من أنفاس حضرة الرسول الأعظم صلى الله على وآله مجسدا الحقيقة الناصعة لأخلاق أصحاب وعلماء آل محمد ص … كالإمام السيد الخوئي (رض) والمقدس العارف اية الله السيد نصر الله المستنبط رض وأية الله العظمى الشيخ الميرزا الغروي رض وهولاء الأعلام أكبر من أن نطري عليهم في طهارتهم وأخلاقهم فطوبى لمن تربى وأخذ عنهم سلوكهم وعلمهم وعمل به .
وهذه أخلاق العلماء وكما جاء في كتب الأخلاق المعتبرة كحلية المتقين ومنية المريد وجامع السعادات وغيرها … ولعل ذلك ما حدى الكثير من العامة الى الغفلة والخلط الشديد بين أخلاق طلبة العلم وأخلاق العامة فقد يرى الأغلب العموم أن سقطات طالب العلم الصغيرة لا تؤثر شيئا مطلقا وهو بذلك ينظر بعين أخلاق العامة أما الحق والحقيقة وما أخذ الله على العلماء من الأمانة والصدق فهي (عظائم) بعين أخلاق العلماء وسلكهم فالعامي يؤثر على نفسه فقط أما العالم فتأثيره على الأمة وعلى العلماء من جنسه أيضا فانظر الخطر في السقطة فما بالك بالكبيرة والعياذ بالله … وأخيرا نختم هذه المقدمة بهذه النكتة البليغة على أهلها وبذكر خاتم الأنبياء الحبيب المصطفى ص ، فتدبروا يا أولي الألباب ، فقد جاء في كتاب سيماء الصالحين أن أحد الفقهاء الكبار رأى حضرة الرسول الأعظم ص في الرؤيا فسأله :
ما هو السبب في أن العلماء في السابق كانوا أصحاب كرامات ومكاشفات وفي هذا الزمان سُد باب المكاشفات ؟
فأجابه (ص) : السبب أن العلماء في الماضي قسموا الأحكام الى قسمين واجب وحرام …
وكانوا يتركون الحرام ويأتون بالواجب وكلما كان مكروها أو مباحا كانوا يعتبرونه من المحرمات ( ذوقا لا شرعا ) أي كانوا عمليا يتركون والمباحات والمكروهات ويأتون بالمستحبات ويعتبرونها من الواجبات ولكنكم ـ المتأخرين ـ قسمتم الأحكام عمليا الى خمسة أقسام وتتركون المستحبات وتفعلون المكروهات والمباحات ولهذا سدت دونكم أبواب الكرامات والمكاشفات … ص/92
هذا ما رأى هذا العالم المتقي وحال العلماء ، فما هو حال العامة وقد آل الأمر الى ما يرى الجميع .
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الجمعة 15 آب 2008 16:39 )
|