التكليف واقعي وظاهري طباعة البريد الإلكترونى
الجمعة 25 كانون الأول 2009 12:14

  

التكليف الواقعي يمكن في أن الشيء الذي حمل الإمام الحسين عليه السلام على أن يسير إلى أهل العراق هو أن عتاة بني أمية اعتقدوا أنهم على الحق وأن بني علي (عليه السلام) أو قل علي (عليه السلام) باطل.

لعل الإنسان حينما يتبادر إليه هذا القسم من التكليف يقول لا داعي لأن يقوم الحسين عليه السلام بهذا الأمر وبهذه الثورة، على أن معتقد هؤلاء الناس من بني أمية أنهم في جانب الحق وأن بني علي في الجانب الثاني أي كأنهم قسموا الناس إلى القسمين وقد نالوا أشرف القسمين لأنهم عن عقيدة بأن هؤلاء الناس وهم بنو أمية يمثلون جنبة الحق والاعتقاد يقرره بعضهم بأن هو ما طابق الواقع وكأن القلب والواقع والفكر قد أكدوا ذلك وقد قرروه أما بالنسبة إلى الواقع فليس له أثرٌ فما دام لا أثر له فلماذا يقوم الإمام الحسين بهذه الثورة ضد هؤلاء .

الآيات الواردة (بسم الله الرحمن الرحيم)

( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ )

هذه الآية تقرر أمراً لا بأس بالتعرض له في طيات هذا الحديث.

لا جدل في كون رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الرسل وهو رسول ونبي ذلك الوقت فلماذا وصف الباري عز وجل هذا التحدث وهذا الحديث بالكذب مع أنه رسول الله حقاً.

ذكر البعض بأن الصدق ما طابق الواقع والاعتقاد، وحينما تخلف هذا التعريف وصفهم الباري عز وجل بالكذب مع أنه رسول الله حقاً ، والله يعلم أن هذه الشخصية (شخصية محمد"ص") هي التي نالت رسالته في هذا الوقت، وإنما حصل التكذيب لهذا القول لعدم التطابق بين الواقع والاعتقاد، فهذه المعتقدات الكاذبة والتي لم تكن مزامنة ومتوافقة مع الخارج والواقع كاذبة بنص كتاب الله المبين.

فلماذا الإمام الحسين روحي له الفداء قام بهذه النهضة؟

كان عليه أن لا يتعرض لهؤلاء لأنهم لم ينالوا فضيلة الصدق ، إن هذه الآية تليت على هذه المسامع إنها سلاح فتاك وثورة ضد الباطل بل هي ثورة ضد كل باطل في كل زمان ومكان.

فالإمام الحسين كآبائه الكرام ترجمان خاص لكتاب الله جل وعلا، فأراد بهذه الثورة ضد الباطل أن يوضح للناس بأنه قد أعطى معنى من معاني كتاب الله جل وعلا، فها هو ذا قد آلى على نفسه أن لا يعيش وأن لا يبقى إلا حراً ، وقد أشارت بعض صرخاته المدوية إلى هذا المعنى: ( ... والحياة مع الظالمين إلا برما..).

فقيام الإمام الحسين عليه السلام تكليف واقعي أراد أن يؤديه لكي يبقى التمييز والتفريق بين من يدرك الواقعيات والحقائق ومن يسير خلف الظاهريات فقط.

فهنا لو أن الإمام الحسن عليه السلام تخلف ولم يقم بهذه الحركة الميمونة والمباركة لعمت الناس فوضى الباطل، وأزيل الحق من أساسه، ولما كانت للحق علامة، ولكن قام الإمام الحسين بنهضته الشريفة لكي يدحض الباطل ويزيله عن مكانه، ويبين للنفوس وللقلوب الواعية وغير الواعية بأن الحق ليس بكثرة المال أو غيره، بل يتبع سير الإنسان وسيرته.

وإلا فإن جميع تصرفات بني أمية من أولها إلا آخرها كانت تحمل شعارات الفوضى والتمويه للحقائق وتمزيق الإسلام والمسلمين بنفس يحمل كلمة الإسلام، وليس له شيءٌ من الإسلام، فهذا خلاصة ما في هذا التكليف الواقعي، وإن كان بحاجة إلى نظر ووقت أكثر، ولكن لا بأس بالاكتفاء بما جاء من الحديث عن هذا التكليف.

التكليف الثاني / وهو الظاهري ويتلخص في ما قام به إمام الحق وسعى لتحقيقه ، فقد سعى عليه السلام لحفظ نفسه وعياله ولكن لم يتيسر ذلك له، ولم يحصل، ولا بأس بجعل عنوان خاص لهذا التكليف،

وهو بهذا السؤال لماذا خرج الإمام الحسين عليه السلام لمكة ؟ أو قل الخروج لمكة؟!أو الأسباب التي دعت للخروج إلى مكة؟

الإمام الحسين كان يحمل قلباً عامراً بتقوى الله جل وعلا ولهذا كان منه السعي إلى حفظ نفسه الشريفة العالية، والتي يتمثل في حفظها حفظ الشريعة، وهذه النفس عزيزة على الله جل وعلا ، ... وقد رأى الإمام عليه السلام أنه إذا كان هناك شيءٌ يحفظ هذه النفس، أو يساعد على حفظها فإن ذلك محصور في دخول بيت الله، لأنه هو المكان الآمن لا سيما مع من كان مسلماً . فالمسلم إذا دخل الحرم المكي فقد كان آمناً بمنطوق الآية والأحاديث الشريفة.

ولكن ما سمي بأمير المؤمنين قد ضيق على إمامنا الأقطار ولم يكتفي بذلك بل قال لعامله على المدينة أن يقتله (أي يقتل الإمام الحسين عليه السلام) فيها.

وبذا يبقى سبب الخروج من المدينة الحفاظ على النفس، فخرج الإمام إلى مكة خائفاً ،ليلتجئ إلى الحرم المكي ليحصل على الأمان، ولم ينل ذلك حتى في مكة، بل إن الوحوش قد جعلت من نظامها من كان مكلفاً بمهمة خاصة، وهي قتل أبي عبدالله بأي صورة ولو متعلقاً بأستار الكعبة، وهذه الكلمة تدلنا على أن الأمر قد أقلق حكام بني أمية، حيث أن وجود الحسين إشارة إلى الحق الواقعي الذي يعيش متجسداً على الأرض، لترى الإنسانية جمعاء صورة للحق والتي يمثلها إمام ذلك الزمان كما أن الطرف المقابل يحمل اسماً مضاداً مناقضاً لهذا الاسم إذ يمثل الباطل بجميع معانيه، ولهذا حينما سمع الإمام الحسين أرواحنا فداه -كما تسمع و تقرأ في كتب التاريخ والحديث- ذلك الهاتف وهو يطلب من الإمام الخروج من الحرم أو من البيت لئلا تهتك حرمة بيت الله الحرام؛ عزم أن يغادر مكة المكرمة.

الآن لا يزال الكلام بحاجة إلى عنوان آخر وهو ما هي الأسباب والدواعي التي جعلت الإمام يخرج إلى العراق؟

الظاهر أن ذلك يكمن في أمر إن صح التعبير وهذا الأمر يتلخص في نقطة ويتفرع عنها شيءٌ آخر، أما خروجه إلى الكوفة فلما كاتبهم (مكاتبة أهل الكوفة) إليه وذلك لنصرتهم على طاغية الزمان.

قد يوجد استفسار هنا هو: لماذا سار الإمام (ع) إلى أهل الكوفة مع علمه بما يحملون من غدر ونفاق؟

الأسباب والدواعي إلى هذا الأمر قد تقدم في أول الكلام وهناك شيٌ يدل أصحاب الدليل وهو أن من صفات الإمام أن لا تقام عليه الحجة للناس، فسداً لهذه الثغرة وإيقافاً لهذه الظاهرة ولأمثالها قام عليه السلام بذلك لكي لا يتعرض لنقص أو هزيمة أو إلى أمر ن هذا القبيل فخروج الإمام والتخلص لهذه النقطة أن أصل خروجه هو المكاتبة التي صدرت عنهم.

س/ شيخنا لماذا اصطحابه إلى أهله مع علمه بما سيحصل لهم؟

شاء الله أن يراهن سبايا ، قالها لأخيه محمد بن الحنيفة عندما جاءه مستفهماً، كأنه وعده لأن وعد الإمام الحسين ليس من باب المحاباة. لأنهم كما يقال يعلمون بالنفوس وبماذا تتأثر هذا ليس فيه إشكال.

وأما السؤال: إذا كان يعلم لماذا تعدى هذا العلم وذهب أليس هذا إلقاء بالنفس إلى التهلكة؟

لا هذا ليس إلقاء لتهلكة بل هذا واجب مقدس على سيد شباب أهل الجنة ولا يتخلف الإمام عن واجباته، وهو واجب ليس كفائياً مع وجود الإمام بل واجب عيني على نفس الإمام . ليس إذا قام به البعض سقط عنه هو، لا، ما دام الإمام موجوداً فيجب أن يقوم، كما أن الواجب على الناس أن يطيعوا الإمام عليه السلام وأن يسيروا كما يريد، فقيام الإمام بهذا كله لأجل ما ذكر والحمد الله رب العالمين.

 

ليلة السبت 4/1/1424هـ 

 

تاريخ آخر تحديث ( الجمعة 25 كانون الأول 2009 14:13 )
  الزيارات: 479
 

كلمات من نور

إن العبادة لا تنحصر في الصلاة أو الأدعية والأذكار بل هي أشمل من ذلك، فإذا حصل الإدبار عن نوع منها فأبواب القرب منه تعالى  كثيرة، فأقبل على ما يوفقك الله له وييسره لك بمنّه

سماحة الشيخ محمد كاظم