زوجتي والوسواس القهري

سماحة الشيخ محمد كاظم -حفظه الله- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نفيد سماحتكم أننا من زوار موقعكم، ونحرص على زيارته بين الفينة والفينة، على أمل الإطلاع على ما نجد فيه من علوم ومعارف تسد تعطشنا الواله، وبحثنا الحثيث عن إجابات على بعض الابتلاءات، والشيء بالشيء يذكر أود أن أعرض على سماحتكم أمراً.وهو أن لي زوجة كثيرة الوسوسة حتى وصلت إلى الوسواس القهري لدرجة أنها ترى من الصعوبة بمكان التخلص مما تعاني منه، وأكثر هذه الوسوسة في النجس والطاهر. فأكثر الذي يغلب على ظنها بأن أكثر الأشياء التي تلامسها بيدها أنها قد تعرضت للنجاسة، أو لامست نجاسة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فتدخل الحمام للاغتسال، وتجلس في الحمام أغلب أوقاتها خاصة عندما يكون عليها غسل جنابة، أو حيض، تمكث الوقت الطويل والمؤسف له أنه عندما يكون هذا الغسل قبل صلاة الفجر أراها تجلس في الحمام لتعيد الغسل مرات ومرات، حتى تفوتها صلاة الفجر.كما أن سلوكياتها في البيت على هذا النحو جعلتني أتضايق من تصرفاتها، واعتقادها بأن معظم الأشياء قد وصلت إليها النجاسة بطريق مباشر، أو غير مباشر، أرجو من سماحتكم التكرم بالنظر في هذه المشكلة، وإرشادنا إلى الطريقة المثلى للتخلص مما يساورها من شكوك في كل شيء. وفقكم الله لما يحب ويرضى.

 

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركه تحية طيبة للأسرة الشريفة وبعد ..أخص بنت الإسلام بالتحية والسلام. الإنسان تحت رحمة خاصة قد اختصت بها السماء ولا ينالها من أي جهة أخرى. ولهذا جعل الفقه سيد العلوم وأشرفها مع ما أن كل علم وكل عالم لا بد أن يأخذ حصة من أساس العلم الذي هو القرآن لكن كلما ابتعدنا وقصَّرنا أزوي عنا وأقصي.والإنسان الذي يتجه إلى ربه عليه تنظيم هذا الاتجاه, وذلك بالاعتماد على فتاوى الفقهاء، فلتأخذ بنت الإسلام مسألةً فقهية في جميع الرسائل العملية (عمل العامي من غير تقليد ولا احتياط باطل) (1). أيضاً مسألة أخرى (2) (لا يجوز لكثير الشك الاعتناء بشكه فإذا جاء بالمشكوك فيه بطلت) فالصلاة هنا باطلة بل كل عمل تعتني به فإنه باطل، فالذي أرادته لم تحصل عليه، وأنت أردت الإتيان بالصحيح فلم تحصل عليه، وربك أراد منك ذاك العمل بما فيه لا العمل الذي تأتي به ولا بالكيفية التي أتيت بها.عن الإمام الصادق (عليه السلام) -لما ذكر عنده رجل مبتلى بالوضوء والصلاة وادّعى أنه رجل عاقل-: «وأي عقل له وهو يطيع الشيطان؟ فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أي شيء هو؟ فإنه يقول لك: من عمل الشيطان»(3) وهناك قاعدة فقهية تسمى (أصالة الطهارة) مفادها أن الأشياء طاهرة حتى تعلم بنجاستها. وإن مراجعة أحكام النجاسة والطهارة في الرسائل العملية لتضع المؤمن الواعي على النهج الواضح الذي لا يجعل للشيطان على سلوكه سبيلاً، فالأعيان النجسة معروفة ولكيفية سراية النجاسة أحكام خاصة، ولأحكام النجاسة في الصلاة وغيرها فصول تبين ما ينبغي للمؤمن العمل وفقه، بل إن هناك تتميماً فيما يعفى عنه في الصلاة من النجاسات.فعلى العاقل أن يحارب الوسواس ولا يجعل للشيطان على عقله دليلاً أو مُدخلاً ولا يوطن له فيه منزلاً.ورد في الدعاء: «وَأَيْقِظْنَا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ بِالرُّكُونِ إِلَيْهِ وَأَحْسِن بِتَوفِيْقِكَ عَوننا عَلَيْهِ اللَّهُمَّ وَأَشْرِبْ قُلُوبَنَا إِنْكَارَ عَمَلِهِ وَأَلْطِفْ لَنَا فِي نَقْضِ حِيَلِهِ»(4) وهذه الوسوسة في الطهارة والنجاسة من حيله، فبدل أن يبعد الشيطان ويخسأ عنا بالعبادة، يجعل الوسواسي من العبادات طريقاً للشيطان على نفسه وعقله، فليقطع المؤمن عليه الطريق بعدم طاعته فيما يصور ويلقي من أحكام باطلة ولا يعوده الإتباع فإذا فعل ذلك المرة والمرتين انقطع عنه وخنس.  (قُلْ أَعُوذ ُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ*مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ ) (5) وقد ورد عن الإمام الصادق(ع) –لما سئل عن كَثْرَةِ شكّ الرجل في عدد الركعات حتى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه-: يعيد، قلنا له: فإنه يَكْثُرُ عليه ذلك كلما عاد شكّ؟ قال: «يمضي في شكه»(6). علاج الوسواسروي عن الإمام علي (عليه السلام) قال: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر -أربعاء بين خميسين- وصوم شعبان يذهب بوسواس الصدر وبلابل القلب»(7) وعنه (عليه السلام): «ذِكّرُنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب»(8)وعن الإمام الصادق(عليه السلام) -وقد سئل عن الوسوسة وإن كثرت-: «لاشيء فيها تقول لا إله إلا الله»(9).

ملاحظة: هذا الموضوع مقتبس من كتاب إياك نعبد وإياك نستعين تأليف سماحة الشيخ محمد كاظم الجشي حفظه الله.

-----

(1) المسألة الثانية من مسائل المنهاج للسيد الخوئي.

(2) مسألة رقم 355 ص240.

(3) الكافي ج1 ص12 .

(4) الصحيفة السجادية من دعاءه إذا ذُكر الشيطان.

(5) سورة الناس.

(6) الكافي ج3 ص358.

(7) الخصال ج 2 ص 612.

(8) المصدر السابق ج65 ص 203.

(9) الكافي ج2 ص 424.