السعادة وخلق النزعات

إذا كان الله يريد للإنسان أن يعيش سعيداً فلماذا خلق فيه هاتين النزعتين, أي: نزعة الخير ونزعة الشر؟

 

قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}(1).

الإلهام: هو الإلقاء في الرَّوع ــ أي القلب والعقل والبال ــ فالله تبارك وتعالى عرّف الإنسان حقيقة ما يقوم به من فعل أهو فجور؟ أم تقوى؟ وميّز له ما يعد فجوراً يخالف الفطرة والشرع والعقل, وما هو تقوى ينسجم مع الفطرة والشرع والعقل, وما به كمال إنسانية الإنسان ,فالنفس مُلهَمة مميّزة بحسب فطرتها.

والزكاة في النبات أن ينمو نمواً صالحاً، وتزكية النفس إنماؤها نمواً صالحاً قال الله عز وجل في شأن مريم (ع) : {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا}(2). أي رباها تربية حسنة بما يصلحها في جميع أحوالها(3).

والدّس: من التّدسي وهو إدخال الشيء في شيء بنوع من الإخفاء، وبمقابلة التّدسية والتزكية يُفهم أن التّدسية هي إنماء للنفس ولكن في غير ما يصلحها وعلى غير ما يتطلبها طبعها أو إدخالها في الأرض ومنعها من النمو الصالح وذلك بارتكاب ما حرّم. والتزكية والدّس يتمّان باختيار الإنسان وإرادته، وبذلك تتم الحكمة الإلهية في نظام الكون كلّه حيث نلاحظ في هذا الوجود الخير والشر والسعادة والشقاوة والمعصية والطاعة، والكمال والنقص والصحة والمرض. فطريق الكمال الإنساني يمر عبر هذه البوابة وهي وجود التضاد في ملكات النفس وصفاتها، فلو كان الإنسان كالملائكة عقلاً بلا شهوة لما كان هو النسخة الجامعة لحقائق الملك والملكوت ولما فاق أفق الملائكة، حيث لا تنازع في قواها ولا تدافع. روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) : «العقل والشهوة ضدان، ومؤيد العقل العلم، ومؤيد الشهوة الهوى، والنفس متنازعة بينهما، فأيهما قهر كانت في جانبه»(4). قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}(5) فإذا لم تكن هذه النزعات المتضادة موجودة في الإنسان ما كان يستحق كل هذا الثواب وذلك المقام الرفيع ولبطل المدح والثناء إذ لا مانع من رقيّه أو امتثاله للأوامر. جاء في الخبر عن مولى الموحدين الإمام علي بن أبي طالب (ع) : «النفس مجبولة على سوء الأدب، والعبدُ مأمور بملازمة حسن الأَدب، والنّفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة، والعبدُ يجهد بردّها عن سوء المطالبة، فمتى أطلق عنانها فهو شريك في فسادها، ومن أعان نفسه في هوى نفسه فقد أشرك نفسه في قتل نفسه»(6). قال المتنبي:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد يكن ذا عفةٍ فلعلّة لا يظلمُ

إن تلك العلة أو السبب في عدم الظلم هو العقل والإيمان فهما يمنعان الإنسان من الظلم وغيره من المعاصي. وَرد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): «إنما العقل التجنب من الإثم، والنظر في العواقب، والأخذ بالحزم»(7). وعلى هذا لا يمكن تعداد النفس ثلاث أنفس بل هي نفس واحدة، فيقال لها (النفس الأمارة بالسوء) إذا غلبت قوة الشهوة أو الغضب فيها قوة العقل فكانت الشهوة والغضب هي الآمارة الناهية وأصبحت القوة العاقلة مذعنة منقادة ضعيفة لا تستطيع ممانعة، وتسمى النفس نفساً (مطمئنة) إذا غلبت قوتها العاقلة القوى الأخرى وصارت مقهورة تحت سلطانها وانتهى الاضطراب وزال النزاع الحاصل من مدافعتها ومقارعتها لتلك القوى المضادة لها فأصبحت ساكنة مطمئنة. ومع استمرار النزاع والتدافع وغلبة قوى الشهوة أو الغضب في بعض الأحيان ولو على نحو ما يؤدي إلى التقصير في عمل الخير ويكون عندئذ اللوم والندم فتسمى (النفس اللواّمة).

المصدر: كتاب إياك نعبد وإياك نستعين، تأليف: سماحة العلامة الشيخ محمد كاظم الجشي حفظه الله

-----

(1) سورة الشمس آية7-10.

(2) سورة آل عمران آية37.

(3) تفسير شبر ص45.

(4) غرر الحكم 2100.

(5) سورة العنكبوت آية69.

(6) مستدرك الوسائل ج11 ص138.

(7) غرر الحكم 3887.