عطاء الله للصغير

 عطاء الله سبحانه وتعالى يشمل جميع المخلوقات، وعنايته تحيط بكل الكائنات، وألطافه تغمر الكون، ولا يختص بعطائه فرد دون آخر. فإذا كان كذلك فالصغير والكبير لا يحرم من هذا العطاء، فالعطاء موجود ومبذول...

 العطاء الإلهي

عطاء الله سبحانه وتعالى يشمل جميع المخلوقات، وعنايته تحيط بكل الكائنات، وألطافه تغمر الكون، ولا يختص بعطائه فرد دون آخر. فإذا كان كذلك فالصغير والكبير لا يحرم من هذا العطاء،
فالعطاء موجود ومبذول، لكن البذل يحتاج إلى بعض المقدمات التي يجب على الشاب أن يقوم بها في الخارج. فالصغير إن كان يعلم أنه بالغ وجبت عليه الصلاة، وإن كان صغيراً مميزاً صحت منه الصلاة.
الصحة إنما كانت منوطة بالقيام بهذا العمل على الوجه الأكمل، والصبي المميز يستطيع ذلك.
لذا نلاحظ أن بعض الآيات تشدد على الصبي المميز،، فما فائدة هذا التشديد؟ هل أن هذا التشديد ورد عن غضاضة بين الصبي وربه؟ أم أن الله يريد التخلص هذا المخلوق؟ أم يعتز بهذا المخلوق؟
أما بالنسبة للأولين فليسا بصحيحين، ولكن الأدلة تعضد الثالث من الأمور؛ فالملاحظ لا الوجه الأول ولا الثاني. فبالنسبة إلى مضمون ما ذكر في الأول والثاني أن الله يريد التخلص من المخلوق، ولو أخذناهما لوجدنا فيهما الاحتقار لهذا المخلوق، وهذا يخالف صفات الله سبحانه ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)) فالكرامة لا تتمشى مع الأول ولا الثاني، فالقابليات الموجودة في هذا البرعم تدل على أن الله سبحانه يعتز بهذا المخلوق. فالمستحبات التي أوردها الله سبحانه قبل وبعد ولادة الطفل تدل على عناية الباري بهذا المخلوق الصغير.

الطفل محل للقداسة

نلاحظ أن الطفل في أول لحاظه يستقبل كلمات الأذان، فيُؤَذَّن في أذنه اليمنى ويقام في اليسرى، وهذه حجة على هذا الوليد، حيث أن عنده القابليات لتلقي هذه النداءات التي تكون مناراً لطريقه، وهو في هذه الآونة شريط يستقبل الأصوات ولا يصدرها، فهو في هذا السن محل للقداسة.
ومما يعضد هذا الرأي الآية الكريمة التي تشير إلى أن هذا المخلوق مكرم، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن الاستعدادات الخيرة تسبق الرديئة. فالطفل يترك له الاختيار في أي النداءات التي تصل إليه.
فبالنسبة إلى قلب الإنسان، سواءً كان صغيراً أم كبيراً، مهيأٌ لاستقبال الخير بما أودع به من قابليات.
فلو لاحظنا أنه كم من صغير فاق كبار السن، وكم من صغير التف حوله أهل الفكر استغراباً. ولا عجب في ذلك، لأن يد الباري كانت فوقه وهو لا يملك لنفسه شيئاً.
فعلى كل حال، إذا لاحظنا هذا الإنسان نلاحظه من زاوية واحدة، وتارة أخرى من عدة زوايا. ويجب علينا النظر إلى الإنسان من عدة زوايا. لا بد أن تقترن هذه الأمور بالله. فبالنسبة إلى كونه حيناً، فهذه الكينونة كان مصدره من أي مكان؟ هل مصدره من الأمور الطبيعية؟
هذه الأمور كانت من عطاء الباري، لكن عندنا أمر وهو أن الإنسان في طريقه وسيره وسريرته، فإن صلحت السيرة برمجت الفرد بغض النظر عن فترته الزمانية، وكذلك سواء أخذت بصيغة معينة جمالاً كبيراً.
هذه الأمور ليس لها أهمية، وإنما الأهمية لهذه السريرة، فإن حسنت، حسنت بينه وبين كل شيء، وإن تلوثت وانقلب الإنسان على عقبيه ففي هذه الآونة أخذ هذا الفرد يتناول سموماً تأتي على حياته.

الإنسان إنسان بما قدم

وليت ذلك الحدث يأتي دفعة واحدة، ولكن هذا الحدث يأتي تدريجياً، فقد يموت هذا الفرد وهو على قيد الحياة. فالآن إما أن يكون داءً أو مصدراً للداء. بل قد يتجاوز هذا المعنى ويرقى إلى درجة أخرى ويكون جرثومة خطيرة يُستقبح منظرها وذكرها.
أما إذا حسنت سيرته ونالت هذا المديح فإن هذا الإنسان يخلق في فضاء من الطهارة والرقي، وهذه الخطى هي التي يجب أن يسير عليها الإنسان، وهذه ليست من معطيات ذلك الرجل الكبير. فمثلاً هذا الهواء يستنشقه البر والفاجر، ولكن قد يخرج الفرد التقي من استنشاق الهواء بأحد الأمراض مثلاً.

ولكن ما المانع الذي منعه أن يأخذ حاجته كما أخذها الفاجر!. ولكن لو لاحظنا أن هذا النفس لم يصبه بأذىً بل أصاب الفاجر، لأنه لم تكن له موطئ قدم بين الأبرار.

وقد يكون الإنسان في حالة نزع روحه وهو يظن أنه أسعد الناس، بينما يكون إنسان آخر في أحسن لذاته ولكنه أتعس الناس في الواقع، لأن الالتواء في السير هو التواء في السير لا يغيره شيء، ولا حتى المال ولا الجاه ولا وجاهة والديه.
فلو كان هنالك فرد التفت وعمل لنال ما ناله ذلك الإنسان الذي حرم نفسه من تسجيل اسمه في ديوان الأبرار. فالإنسان قد يكون ناراً أو نوراً صغر أو كبر. فمثلاً، الشمعة الصغيرة تضيء الغرفة، ولكن لو أتينا بصخرة كبيرة فإنها لا تضيء الغرفة. فلا علاقة بين الصغر والكبر بالسعادة.
فالإنسان لا يحصل على الخير والسعادة بمجرد قراءة الآيات، بل يجب أن يتعلم الواجبات والمستحبات في أموره الواجبة. ويجب على الفرد أن يفرق بين المهم والأهم في أموره كلها، فلو، مثلاً، طلب مني أبي شيئاً وطلب صديقي شيئاً، فأيهما ألبّي؟
في الواقع، الله أراد للإنسان العزة ثم الصداقة، فلا بد للإنسان أن يصحب الأماجد.
ثم علينا صغاراً وكباراً أن نتعلم صلاة الليل وهذه الليالي -ليالي شهر رمضان- هي أفضل الليالي.
والحمد لله رب العالمين.