قابليات الأسرة

كثيراً ما نلاحظ في المجتمعات صدور بعض الألفاظ التي تشكل استفادة كل الأطراف. فنلاحظ من هذه الكلمات كلمة "الأسرة"، "المجتمع"، "الأخلاق"، "الصراحة"، "الأصدقاء"، "المعاملة"، وهلمّجرا. أضف إلى هذه الألفاظ بعض منها تشكل عقبة كؤوداً، يستعملها البعض لأجل الإطاحة بالبعض الآخر.
فلو لاحظنا من هذه الكلمات كلمة "الحرية"، يستفيد منها من أراد أن يثبت أن الدين الإسلامي دين الحرية، ويستفيد بعض المتجهين لبعض الحركات الأخرى من نفس الكلمة. وكم اصطيد البعض بواسطة هذه الكلمات. وعلى كل حال، هناك بعض الأمور التي توقعنا دائماً في الاشتباه كما ذكرت أولاً "الأسرة"، "المجتمع"، "الأخلاق"،...، ولكن هنا لدينا من الأسئلة التي طرحت.

هل الأسرة من مقومات المجتمع؟

المجتمع يقوم تارةً على الأسرة، وفي الواقع، المكون للمجتمع والتركيبة الاجتماعية تتكون من الأفراد. فأول أمر يجب علينا أن نتحدث عنه هو الفرد، وقد سبق في الليلة الماضية حديث عن ذلك وأظن أن فيه التمام. والفرد، لأهميته في المجتمع، انقسم من حيث الدور الاجتماعي إلى قسمين أوليين، وهما الموجِّه والموجَّه، ثم بعد ذلك يأتي القسم الثاني وينقسم إلى قسمين، وهما من يمتلك الاستعدادات الخيرة ومن لا يمتلكها.
من الممكن أن يقول أحد أن الإنسان يمتلك القسمين ومع كل ذلك كان قسم الخير هو الذي يشار به إلى هذا المعنى دون الآخر، فكأن الاستعمال أوجد فارقاً ومائزاً بين كلا القسمين، ولهذا نظائر ذُكرت كذلك، وهو أن الأخلاق تدل على الأخلاق الحسنة، مع أن الأخلاق تستعمل في كلا القسمين، في الحسنة والرديئة، ولكن عند إطلاق كلمة "الأخلاق" يتبادر إلى الذهن المعنى الأول.

الأسرة وتحقيق الكمال

هنا في ضمن السؤال كأنه يشير إلى الاستمرارية للأسرة وقيام الأسرة وإنجاز الأسرة الوجه المطلوب، وعليه بالنسبة إلى الأسرة واصطحاب الأسرة إلى كلا الشقين، تارة نتكلم عن الأسرة الحاملة للقابليات، وأخرى نتكلم عن هذه الأسرة التي تبرز هذه القابليات إلى الخارج. فلو تكلمنا عن الوجه الأول وهو كون الأسرة تحمل القابليات فقط، نريد أن نرى هنا أن الفترة الزمنية التي تسير عبرها هذه الأسرة وهي ترتدي هذا الثوب، ومتى تصل إلى أخذ وشراء واستعمال الثوب الكمالي الآخر؟ هذا الثوب كمالي، ولكن هناك ما هو أكمل منه، ولكن هل هناك حاجة إلى الكمالي الآخر أم لا؟ هل يمكن أن تعيش الأسرة وكذا المجتمع بواسطة القابليات أم لا؟ وهل نحتاج إلى إيصال هذه القابليات إلى كمالها اللائق بها أم لا؟ وهل هذا تحت التصرف الفردي أم لا؟
عندنا إما إمكان العيش مع هذه القابليات فقط، فلا بد أن يحصل معها الكمال، وهذا يعطل وتتعطل جميع ما في الحياة من مشاريع خيرية وأعمال صالحة، لأن القضايا أصبحت فقط مجرد عناوين غير مثبتة في الخارج.

القابلية بداية الطريق

السؤال الثاني: لولا وجود هذه الكمالات لما كان للإنسان وجود، فلولا إبراز هذه لما كان هنالك شيء موجوداً.
لا بد من إيصال هذه القابليات إلى الفضاء الخارجي، وتكون هي ساحات الانطلاق إلى الإبراز والتنفيذ. فمثلاً، عند الإنسان قابلية التقوى وعنده عكسها، فكيف نحكم عليه أنه من أهل الخير، فحينما نرى منه التصرفات الخارجية التي تشير إلى ذلك العنوان فالصلاة، والصوم تدل على التقوى وتمثلها، فإذا رأينا منه التصرفات التي تكون أو تمثل التقوى حكمنا على هذا الفرد بأنه من أهل الخير، فخرجت من كونها قابليات إلى عناوين خارجية، لكن هل توجد أسرة تحمل الكمال الكلي أم لا؟
بالطبع هذا ينطبق فقط وفقط على الأسرة الوحيدة التي كان هذا عنوانها، وهي الأسرة العظمى، أسرة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم. المعصوم هو الذي تكون لديه هذه القابليات التي تخرج إلى الخارج.
لذا فالخدمات التي يقدمها أهل البيت عليهم السلام كانت المودة في القربى هي الجائزة التي نقدمها لهم على هذه الخدمات، وما هي كيفية هذه المودة؟ يريدنا أن نحب هذه الأسرة، ولكن هل الحب يكون بالقول فقط؟! لعلَّه كيفية أخرى. لهذا نرى أن بعض الآيات التي تدل على أنه يجب أن نكون مع الصادقين تأمرنا أولاً أن نحصل على التقوى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ))، ثم بعد ذلك، ((وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)).
هذه من العناوين التي تثبت ضرورة الانطلاق من هذه القابليات إلى العناوين الخارجية التي تحثنا على الإلتزام بقوانين السماء، فالتقوى والكون مع الصادقين يدفعنا إليهما الإيمان، فتحرر أولاً من القيود.
الآن، عندنا بعض المحاليل بمجرد أن نسلطها على الحديد أو أي شيء نلاحظ أن الأشياء الصلبة تتحول إلى سائلة، فعندنا ذوبان يوجد به مذيب ومذاب. فتارة الإيمان يقوم بتذويب الأشياء الأخرى، وأخرى لا.
والسبب أن عملية الإذابة كانت بيد أخرى غير هذه اليد، أي يد الإيمان، فالإنسان الذي لا يمتلك الإيمان (المذيب) لا نلاحظ فيه الكون مع الصادقين، لأنه لم يمتلك الإيمان، ولم يمتلك التقوى، فلن يمتلك الكون مع الصادقين. والسبب أن كل شيء لا يوصل إلى الإيمان تارة يكون بواسطة التغافل أو الغفلة الذي منشأه الجهل (السلبي)، الذي يقابله العلم، وهو أمر وجودي.

الحركة والسكون سبب لصياغة الإنسان

لهذا يجب أن نلاحظ ما يجب على رب الأسرة، وكيف تعيش الأسرة في الجو اللائق المطلوب. هل هو سكون الأب أم حركته؟
في الواقع، لا أحد منهما مطلوب مطلقاً. فالحركة والسكون المطلوبين هما المسببَيْن لإيجاد العلم أو صياغة الإنسان بالشكل المطلوب. فتارة يجب على الأب صياغة الأسرة بكيفية معينة، فيرى أن هذا الأمر موجود، فيُراد منه أن يحافظ على هذه الكيفية. وتارة أخرى تُعطى له بصياغة معينة، يراد تغييرها، فإذا لم يكن أهلاً للصياغة، فماذا يعمل؟ عندها يكون الموضوع معطلاً فيجب أن يقصد أهل الخبرة ويطلب منهم العون.
وبالنسبة إلى الصاغة، فهم أيضاً متعددون ومختلفوا القدرات، فيجب عليه اختيار من يوجدها بشكل لائق، وهذا التقصير وعدم المعرفة بالتكاليف، وعدم المعرفة بهؤلاء الناس ممن تتوافر فيهم صفات الكمال، هل هذا الأمر يُسامَح عليه رب الأسرة أم لا؟ ثم متى يُسمح له عن هذا التقصير؟
الواقع أنه لا يُسامَح أبدا، لأن الوارد: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". فالسؤال الذي عن الرعية، وهذا الأمر يشير إليه العقل حتى لو لم تأت هذه الجمل المباركة بأنوارها القدسية، نلاحظ أن الإنسان بطبعه يبحث عن ذلك، " كلكم راعٍ..."، ولكن هل يصدق علينا هذا الأمر جميعاً؟ والرعاية الموجودة هل هي توفير مستلزمات الحياة فقط، أم لا؟ فأي شيء يراد من ذلك؟.
الرعاية الموجودة لا بد أن تتسم بسمة معينة، وهي كون الراعي والمسؤول يحمل المؤهلات التي بها يدرك هذا الإنسان المهم والأهم، فيميز بين الأمور. فلو كان يمتلك الشيء القليل الذي يسع شيئاً واحداً، فهل يشتري المهم والأهم، أم غير اللازم؟ فلو خرج من البيت والعيال في مسغبة (جوع) وحصل على مقدار من المال، فذهب واشترى لهم لعبة، وتركهم في جوعهم، فقد يموت الأطفال بهذه النتيجة، فهذا التصرف يدل على الفشل.
فلو استبدل هذا الشيء بشيء أهم، كأن يأتي لهم بكتاب أو محاضرة، أو اصطحب الأطفال معه إلى المسجد لكان خيراً له.

الوالدان هما الأداة

ويمكننا تشبيه الوالدين بقارورة الطيب، وأحدهما هو الأداة التي تخرج ما بداخل القارورة. فكل ما في الأطفال من صفات إما أن تكون من الأب، أو اكتسبت بواسطته. فكم يكون جميلاً أن يمثل رب الأسرة كتاب الله المنزل على رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم. فلو كان رب الأسرة هو الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فإن ما سيلقيه على أبنائه سيكون الوحي.
هذا التكوين للأسرة يحتاج لسقي، لديمومته، ولا يوجد شيء للمحافظة عليه إلا السير تحت ظل السماء. فبمجرد أن يبتعد الفرد عن الدين نجد أن الصواعق تنزل عليه، فتصيبه هو وغيره. وقد ورد المنع عن التواجد على مائدة الخمر، لأن النتيجة الحاصلة أن البلاء لا يستثني أحداً.
ثم تشير بعض الجمل الموجودة في دعاء كميل إلى أن بعض الذنوب تسبب بعض المسببات التي منها الهلكة وغير ذلك، ويأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين.